تحقيقات

التهجم على قرار الإنقاذ في الباكالوريا. لماذا؟!

جنة يعقوبي – محررة بموقع الراصد 

رغم الطابع الاستثنائي لقرار وزارة التربية الوطنية الذي خفّض عتبة النجاح الدنيا في امتحان شهادة الباكالوريا بعلامة واحدة عن المعهود، إلا أن هذا القرار قوبل بموجات رفض عنيفة واعتراضات شديدة من قبل أطراف عديدة. ووصلت حدّة المعارضين، أحيانا، إلى حدّ التهجم على المدرسة الوطنية. وحتى قبل الوقوف على آثار هذا القرار، فقد جعل منه بعضهم مشجبا من فولاذ علقت عليه نقائص المنظومة التربوية وجمعوها فيه. والأغرب هو أن بعض الانتقادات جاءت حتى ممن لا يملكون أدنى علاقة بالتربية، ومن أولئك الذين لا يحملون هذه الشهادة، وعجزوا عن نيلها. ولم يرحم المنتقدون سمعة ومعنويات وكرامة فئة من الطلاب لا ذنب لهم سوى أنهم نجحوا بمساعدة لم يطالبوا بها، ولم تكن من صنع أيديهم، ولم يراعوا عواطف أوليائهم وذويهم.

لا يحمل القرار في طياته قبح الشعبوية على وجه الإطلاق، ولو أريد له أن يملك هذه الصفة لخفّضت عتبة النجاح أكثر حتى تتسع رقعة فعله السحري. وإنما هو قرار فرضته ظروف قاهرة من جراء انتشار فيروس الكورونا الذي تعني النجاة من قبضته من بعد الإصابة به معجزة. ولم يتسبب هذا الوباء في غلق أبواب المدارس، فحسب. وإنما نشر رعبا مخيفا تولدت عنه ظروف قاسية هزت وخلخلت نفسيات الناس ، وما بالك بمن ينتظره اجتياز امتحان مصيري؟. وهو الامتحان الذي جرت اختباراته في جو خاص مشحون بالقلق أفلا تشفع هذه العوامل بأن تقدم للمتعلمين تسهيلاتٌ في زمن العسر؟

وقد قرأت وقرأ غيري ما يسوق الخجل إلى النفوس من عبارات الاستهزاء والازدراء، مثل عرض تخصصات عليهم ملأى بجناية السخرية والتحقير. ولم نقرأ في مواقف ما يسمى بـ”نقابات التربية” المناهضة للقرار استغرابا كليا. إذ كيف ينتظر موقفٌ إيجابي لمناصرة المتعلمين في ظرف عسير ممن كانوا يتفقون على الدخول في إضرابات مفتوحة طويلة المدى، ويحرمونهم من نعمة العلم؟. وفي هذه المرة، دخلت ما يسمى بـ”نقابة المفتشين” معترك الخصام، ورفعت مطلبها لإبطال هذا القرار إلى قمة السلطة.

لا يمكن للاستثناء أن يُفسد أو يعطل فعل قاعدة معلومة وإن رافقها أبد الدهر. فكيف يستطيع قرارٌ غلب عليه الطابع الاجتماعي والإنساني والمحدودية الزمانية أن يحدث تغييرات في نظامنا التعليمي، وأن يكون طفرة لحظية تكسبه التخلف وترميه بالتراجع؟. فهل يُظن أن الأمر شيبه بفيروس الكورونا الذي أدخلت على ذخيرته النووية طفرة جعلته مفترسا وشرسا وعدوانيا إلى حد لا يطاق؟. والعاقل المتابع لشؤون التعليم يستقبح موقف هؤلاء المعارضين المتهجِّمين، ويتساءل في عفوية: كيف غفلت أعينهم عن رؤية الأثر الشنيع لما يسمى بـ”الدروس اللصوصية” التي لم تتوقف حتى في زمن الكورونا الرهيب : أيهما أحق بالنقد التفوق المغشوش في امتحان شهادة الباكالوريا بواسطة عكاز “الدروس اللصوصية”، أم النجاح بعلامة ضعيفة؟. وللعلم، فإن شهادة الباكالوريا ليست شهادة تأهيلية، وإنما هي تأشيرة للالتحاق بالجامعة .. هل سيتحسن حال المدرسة بين عشية وضحاها ويرتقي مردودها بين عشية وضحاها؟.

يقيني أن مدرستنا الوطنية ليست مدرسة نخبوية، ولا تشتغل على هذا الأساس لأسباب تاريخية وعراقيل تنفس بها حاضرنا بتعقيداته المختلفة. ولكن، هذا لا يعني أنها لا تتوفر على متعلمين ذوي درجات عالية من نضج القدرات والذكاء والتميز. وأنها لا تملك ما يمكِّنها من الزحف نحو التقدم لمنح تعليم نوعي في كل المستويات. ولا يحق أن ننكر عطاءها الكمي المعتبر وتأديتها دورا كبيرا في نشر المعرفة بغضِّ النظر عن معيار النوعية. ويمكن لمدرسة بهذه المواصفات أن تتسلق مدارج الرقي عندما يُنتقى لها معلمون وأساتذة وفق معايير عالية وحازمة، ويُنتدب لإدارتها إداريون أكفاء في كل المستويات، ويسند الإشراف فيها إلى مفتشين مؤهلين علميا وبيداغوجيا بدل أن يُسلَّم إلى مفتشين جاؤوها بطرق ملتوية، ويفتقرون إلى الجدارة والاستحقاق.

لا أجد عيبا في قرار الإنقاذ غير المشروط الذي أقرَّته وزارة التربية الوطنية استثناءً إلا من حيث نظرة المساواة ذات الطابع الشمولي بين كل الشُّعب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى