رأي حر

الصحفي والمصور ب”لاسوشيتد برس” طارق بوساحة في حوار لموقع الراصد الاخباري

حاورته : عبان سمية

صحفي شامل ومصور لامع برز نجمه في وكالة “الأسوشيتد برس” ..صور العديد من الوجوه والاحداث الوطنية والدولية…بداية ولتفاصيل اكثر …من هو طارق بوساحة؟

من هو طارق بوساحة : سؤال جدا صعب لأجيبك عليه في حوار، و لم أعتد التكلم على نفسي و في الوقت ذاته كل واحد منا مهما عرف نفسه مازال في رحلة البحث عن الذات ليتعرف عليها، لنحكي عن طارق بوساحة من الناحية المهنية، هو جزائري مقيم في الإمارات العربية المتحدة منذ أربع عشرة سنة أعمل صحفي شامل (Senior Video Journalist ) و هو تخصص جديد في العالم أين يجمع فيها بين التصوير و التركيب و الكتابة عن الصورة ومعظم الوكالات صارت تطلب هذا التخصص لأنه عملي و غير مكلف …في وكالة “الأسوشيتد برس” في القسم الرياضي للوكالة( SNTV) انا مسؤول عن تغطية الفعاليات و القصص الرياضية في منطقة الخليج للعلم فان وكالة الأسوشيتد برس هي أول وكالة أخبار في العالم تأسست سنة ١٨٤٦.

حدثنا عن تجربتك الأولى كمصور صحفي؟

تجربتي الأولى بدأتها كشاب طموح محب للمهنة في المركز التقني للإعلام و التوجيه لوزارة الدفاع الوطني سنة ١٩٩٤ أين وجدت أرضية خصبة للتكوين و تعلم أسرار المهنة على يد مهنيين التحقوا بالمهنة في ستينيات و سبعينيات القرن الماضي تخرجوا من معاهد و مراكز تكوين عالمية في يوغوسلافيا و ألمانيا الشرقية ، وجدت في المركز حاضنة و تأطيرا جيدين للولوج إلى هذه المهنة في كل تخصصاتها الصورة و الصوت و التركيب بعدها عملت مع بعض مراسلي القنوات الأجنبية في الجزائر ( قناة أبوظبي- قناة دبي الاقتصادية- قناة دبي الرياضية- قناة الجزيرة الرياضية- قناة الحرة ) و بعض شركات الإنتاج الخاص مع أساتذة تعلمت منهم صناعة التقرير الإخباري و البرامج التلفزيونية مثل سليمان بخليلي – محمد دحو – لخضر بريش- مسعود دشيشة- دحمان أوزيت هذا ما أهلني لخوض تجربة جديدة سنة ٢٠٠٦ .

عندما اتيحت لي فرصة للعمل كمنتج أخبار ولالتحاق بمجموعة إعلاميين عرب لتأسيس قناة “الآن” بدبي بالإمارات العربية المتحدة و كانت تجربة رائعة فجرت فيها طاقتي من إنجاز للتقرير الخارجي و الداخلي إلي إنتاج و تنفيذ النشرات و البرامج الإخبارية و إدارة الحوارات من غرف التحكم ، بعدها إلتحقت بقسم الأخبار بقناة أم بي سي كمنتج في قسم المراسلين لكن الحنين إلى الكاميرا و العمل الميداني ظل ينخرني فالتحقت بقناة الحرة بمكتب دبي كمصور منتير أين غطيت عدة أحداث في العالم من سنة ٢٠٠٩ إلى ٢٠١١ أذكر منها إستفتاء تقسيم السودان بجوبا و عدة أحداث كبيرة في المنطقة،

بعدها كان لي الشرف مرة أخرى مع مجموعة من الإعلاميين العرب و الأجانب بتأسيس قناة سكاي نيوز عربية فكانت للأمانة تجربة خاصة و مميزة بإعتبار المدرسة البريطانية جديدة بالنسبة لي كمدرسة إعلامية و قناة إخبارية على مدار الساعة احتكيت فيها بأسماء كبيرة عرب و أجانب مثل مراد شبين ومهند الخطيب و أدريان ويلس و آخرون كثيرون، في سنة ٢٠١٥ إستقلت من القناة و قررت الرجوع للجزائر لفتح فرع لشركتى “طاسيلي للإنتاج الإعلامي ” التي أسستها سنة ٢٠٠٩ لنقل تجربتي للمشهد الإعلامي الجزائري لكن لم أفلح في ذلك ، في تلك الفترة إتصل بي القائمون على القسم الرياضي لوكالة الأسوشيتد برس و باشرت معهم العمل إلى يومنا هذا.

هل التصوير فن ام مهنة ؟

بالنسبة لي التصوير مهنة و فن وجهان لعملة واحدة، مهنة، لما فيها من مسؤوليات و معايير معتمدة و تقنيات تتعلم بعضها بالدراسة الأكاديمية و أخرى تصقلها الموهبة و التجارب أما بالنسبة للتصوير كفن، نعم، لما فيه من إبداع متجدد ينبع من أحاسيس تتجسد في كادر و ضوء و زوايا و ألوان و حركة لترسم بها لوحات فنية لها لغة مرئية مفهومة عند جميع الناس.

هل الصورة شاهد أم إثبات؟

صراحة يعتمد على كيفية إستغلالها و توظيفها كشاهد أو لإثبات ، و هنا أحكي لك عن قصة وقعت معي غيرت فلسفتي في الصورة، كنت مرة أقوم بتركيب فيلم وثائقي عن مشاركة قواتنا في الشرق الأوسط مستعينين بالأرشيف و كانت هناك لقطة مفصلية في الفيلم لكن للأسف المصور الذي أخذ اللقطة لم يعطها حقها آنذاك و لم يتعامل معها كوثيقة ستكون تاريخية يوما ما فأستوقفني المشهد و جلست أفكر في الموقف ومنذ تلك اللحظة و عندما أمسك الكاميرا بقدر ما أفكر في القصة الآنية كيف سيتلقاها المشاهد أفكر في الصورة كوثيقة تاريخية يوما ما كيف سيتلقاها المشاهد مستقبلا و هل إستطعت أن أترك إرثا قد يكون يوما كنزا بالنسبة للذي يحتاجه. و هنا أرجع إلى سؤالك الفلسفي هل الصورة شاهد أم إثبات ؟ أعتقد أن الصورة إثبات للقصة الإخبارية الآنية لكنها شاهد للأرشيف تتعامل معها كوثيقة تاريخية لا تقل أهمية عن صور الإخوة “لوميير” الأولى “الخروج من المصنع .

كيف ترى اللقطة و كيف تولد لديك؟

هنا أريد أن أعود بك لبداياتي الأولى بالمركز التقني للإعلام و التوجيه لوزارة الدفاع الوطني أين كان التصوير بكاميرا الفيلم السينمائي فكان للشريط السينمائي هيبته و قيمته ليس مثل وقتنا هذا مع الثورة التكنولوجية الرقمية أين تتم نسخ المواد على شريحة بحجم ساعات من المواد، فكانت اللقطة بالكاميرا السينمائية لها قدسيتها فلا تسجل إلا عندما تتأكد من لقطتك النهائية هذا بالنسبة للوثائقيات لكن في التغطيات الإخبارية لا تستطيع أن تسيّر و لا تتحكم في الحدث إذن يستوجب عليك أن يكون لديك ردة فعل مهنية تساير بها الحدث في اختيارك للزوايا و اللقطات بمختلف أحجامها و معانيها السينماتوغرافية لتكتمل عندك عناصر القصة . فاللقطة تولد في العين المجردة و في الذهن قبل أن تُنسخ في وسائط الكاميرا المتعددة.

كيف يتم تغطية حدث معين وهل هناك معايير محددة في ذلك؟

أكيد هناك معايير لكل عمل مهني محترف يستوجب عليك التقيد بها كدستور يحفظ لك حقوقك و يُلزمك بواجباتك المهنية و الأخلاقية، لكل حدث مفتاح و هو الذي جئت من أجله لتوثيقه يبقى عليك فقط كيف تتعامل معه لعدة عوامل موضوعية مثل خط الوسيلة التحريري أو توجهها و أخرى ذاتية مثل اختيارك لزاوية التطرق للقصة، فالحدث تغطيه مئة كاميرا لكن في آخر اليوم نشاهد تقارير من زوايا مختلفة كأنه ليس الحدث نفسه .

ماهي الحدود التى يقف عندها الصحفي المصور عند نقل الصورة خاصة و أننا نشاهد في جائحة كورونا ان البعض ينقل خصوصيات جنائز و غيرها؟

أعتقد دائما أن المصور هو من يجب أن يضع حدودا يقف عندها عند بداية خصوصيات الآخرين و أن يكون صادقا مع نفسه قبل التعامل مع غيره فللمهنة أخلاقيات يجب التعامل بها و تبقى الحدود نسبية لكل شخص،

أتذكر مرة كنت أشتغل على وثائقي و كان لي حوار مع وزير و أثناء المقابلة إتصل به رئيسه هاتفيا و كان يتحدث معه في موضوع حساس فوقفت التسجيل مباشرة من دون أن يطلب منى أحد شيئا، مع أنني بمنطق إنسان آخر لا يحتكم إلى معاير أخلاقيات المهنة “ضيعت سبقا صحفيا على نفسي”، أما بالنسبة لي فكنت صادقا مع نفسي و مع هذا الوزير الذي إستأمنني على نفسه.

في نظركم كيف سيكون العالم بعد وباء كوفيد ١٩

أعتقد أن النظام الدولي الجديد بأقطابه و تحالفاته سيتغير بعدما أماطت كورونا اللثام عن بعض الحقائق و اسقطت بعض الأقنعة التى كانت تنادي بتحالفات إقليمية متكتلة كالإتحاد الأوروبي الذي كشفت بعض دوله عن فشل في التعاون حتى فيما بينها، إضافة إلى وعي صحي صار عند الشعوب .

في مشوارك ماهي الأحداث التي لم تستطع نقل صورها من شدة بشاعتها؟

أعتقد ان المجازر التي حدثت في الجزائر هي أكبر صدمة في تغطية آثارها و ضحاياها تجاوزت العقل البشري من حيث عنف المشاهد و جنون البطش للعائلات بمختلف أعمارهم عزل و ضعفاء .

هل تعتقد أن الإمكانيات المادية لها دور كبير في صناعة مصور محترف؟

لا أعتقد أن الإمكانيات المادية لها دور كبير في صناعة مصور محترف ، فالثورة الرقمية الجديدة أتاحت لسكان العالم أن يكونوا كلهم مصورين محترفين ، رأينا قبل سنوات كيف لسيدة إيرانية بهاتف متحرك استطاعت تصوير مظاهرات و إشتباكات و أنجزت فيلم أخذ جوائز عالمية ، هذا من جهة الوسائل و من جهة التكوين و التعليم يوجد كم كبير من الدروس و الدورات المجانية بكل لغات العالم على الإنترنت لمن أراد أن يتعلم لقد عملت بعدة محطات وطنية و قنوات عربية .

ماذا أضافت لك التجربة ؟

صراحة انا فخور جدا و ممتن لكل محطة من محطاتي المهنية التى توقفت فيها نهمت منها من التعلم و المعرفة و تركت بصمات فيها شاهدة على مروري بها. في كل محطة لها خصوصياتها فمثلا من تجربتي في وزارة الدفاع تعلمت الانضباط و إحترام المواعيد و لازمني هذا بعدها في كل مسيرتي المهنية،

ففي قناة سكاي نيوز مثلا تعلمت من المدرسة البريطانية أن كل تقرير إخباري من دقيقة و نصف هو وثائقي صغير يستوجب العمل عليه بكل المعايير و الجماليات مهما كان الموضوع،

و في وكالة الاسوشيتد برس تعلمت أن أعطي خبرا و معلومة كما هي بكل موضوعية لا يحق لي التحليل عليها و في الوقت نفسه أكون حذرا من الوقوع في خطأ لأنني وكالة أنباء يعني مصدر الخبر يعني أقل قصة يتم إستعمالها من أكثر من خمسون قناة.

و من الأشياء التي تعلمتها روح الجماعة في العمل و هذا ما نفتقد إليه كجزائريين فنحن ناجحون و مميزون فرادى و أشخاص لكن نفشل دائما في مشاريعنا الجماعية. و سر نجاح العالم بتقبل الآخر ضمن فرقة عمل لتأدية مهمة محددة بغض النظر عن شكله أو لونه أو عرقه

طارق وساحة من مصور صحفي إلى منتج برامج ماذا أضافت لك التجربة؟

أعتز بها كتجربة مهنية إحترافية مليئة بالتراكمات المعرفية و التجارب المهنية أضافت لي الكثير على كل الأصعدة الشخصية و المهنية

مالذي تتمنى أن توصله من خلال صورك؟

مثلما قلت لك سابقا رسالتي هي أن كل لقطة هي وثيقة تاريخية يوما ما

هل يمكن للصورة أو المصور من باب الخطأ أن يزور حقائق؟

الصورة مهمة جدا للغة تخاطب بها و تمرر بها ما تريد من رسائل إن أحسنت إستعمالها، لذلك وجب التعامل معا بحذر شديد تفاديا لأخطاء قد تزور حقائق كل صحفي مصور بعد أن يخوض تجربة يتعلم منها الكثير و تؤثر فيه

فهل تروي لنا تجربة مميزة في بعض التغطيات الخاصة بك؟

هناك قصص كثيرة لي… كقصة ملهمة لا تكاد تغادر ذاكرتي، عندما كنت صغيرا كانت جدتي من أمي مقعدة بسبب الروماتيزم أتى بها والدي لتعيش معنا و كلفني بصفتي أنا البكر بالنوم معها في نفس الغرفة للتكفل بخدمتها ليلا في قضاء حوائجها و شرب الدواء و… إلخ و كانت رحمة الله عليها كلما أيقضتني ليلا لطلب شيء ما لأقضيه لها كان دعاءها لي “ الله يعلي مقامك مع الرياس(الرؤساء)” و كنت أقول آمين و أقول في قرارة نفسي كيف لهذه الأمنية أن تتحقق و نحن نسكن في مدينة ورقلة وقتها تبعد عن مكان الرؤساء بآلاف الكيلومترات ، و في يوم من الأيام سنة ١٩٩٧ طُلب مني تغطية مراسيم تقليد الرتب في وزارة الدفاع الوطني و كنا نتجهز لتغطية الحدث حتى وصل الرئيس ليامين زروال و أنا أصور تذكرت جدتي و بدأت عينى تذرف الدموع ،فكلما تقاطعت تغطياتي مع أحداث دولية أو إقليمية فيها ملوك و رؤساء تذكرت جدتي و دعاءها رحمة الله عليها.

ماهي نصيحتك لمن يريد أن يخوض هذه التجربة ؟

نصيحتي لمن يريد التجربة أن يحترم المهنة و يعطيها حقها من التعلم و الممارسة و أن لا يتسرع بحثا عن المال و المنصب على حساب الخبرة و التجربة وأخلاقيات المهنة أنا مثلا بدأت مسيرتي بسنة كاملة مساعد مصور تعلمت من خلالها الكثير ومازلت أتعلم و ألتحق بدورات تكوينية، و أتابع دوريا آخر إصدارات التكنولوجيا في هذا المجال .

كلمة أخيرة

حزين جدا لما آل إليه المشهد الإعلامي الجزائري خاصة السمعي البصري كانت عندنا تجربة رائدة في الصحافة المكتوبة لها خصوصياتها نتفاخر بها بين الأمم ، فتخلينا عليها و راح بعضهم يتحول إلى السمعي البصري و ينشيء “قنوات تلفزيونية” من قاعات تحرير الجرائد و يبث لنا مقالات صحفية مرفوقة بصور رديئة لا تخضع حتى للمعايير المهنية و أخرى تم تنزيلها من الإنترنت دون مراعات لا حقوق البث و لا جهود الناس التى أنجزتها و لا أخلاقيات المهنة . كان علينا الاستعانة ولو بالاستشارات من الإعلاميين الجزائريين في الخارج لما لهم من تجارب و رؤية مهنية إحترافية، و أنا على يقين أنه لن يتأخر أي إعلامي جزائري في الخارج إسداء النصيحة و نقل تجاربه لبني جلدته إذا طُلب منه ذلك، الكثير من الإعلاميين العرب يتساءل كيف لوجود إعلاميين أكفاء في كل القنوات العربية و عندما يشاهدون قنوات جزائرية يصابون بالصدمة و الدهشة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى